ابو البركات

46

الكتاب المعتبر في الحكمة

لا يخرج منها فعلموا ان المانع من ذلك كان احتباس الهواء حيث لم يكن له مدخل فلما فتح الرأس ودخل الهواء سال الماء وجرى الهواء وراءه إلى مكانه فلم يبق خلاء ولو أمكن الخلاء لقد كان سال الماء من الأثقاب السفلى مع سد الرأس الأعلى وانما الأجسام في حركاتها يجر بعضها بعضا ويدفع بعضها بعضا بالتجاور على التعاقب ولا يفارق جسم جسما الا بجسم يحصل بينهما ولا يتحرك جسم ما لم يندفع ما في وجهه وينجر ما خلفه من الأجسام وان الأكثف منها يجر الألطف الأرق ويدفعه ويحرقه ولا ينعكس الامر . فتشعبت في ذلك الآراء وقال قوم بوجود الخلاء وقال قوم بلا وجوده أصلا واحتج كل فريق بحجج قد لا يستغنى طالب الحق عن تصفحها وابطال الباطل وتحقيق الحق فيها اما من ظن أن الفضاء كله خلاء ولم يعرف الهواء الا الرياح المتحركة والهواء الساكن حسبه من جملة الخلاء فقد عرف فساد رأيه بما قيل من الترويج والازقاق المنفوخة والقائلون بخلو الأمكنة عما يخرج منها وبقائها خلاء صرفا فقد رد قولهم واظهر لهم ما خفى عنهم بالسراقات المذكورة . والأواني التي يشعر بخروج الهواء منها مع دخول الماء وبالعكس وانه لا يخرج أو يدخل من أحدهما الا بقدر ما يخرج أو يدخل من الآخر . والحجة التي تصلح ان يسمعها أهل النظر في العلم ويجيبون عنها هي التي بالحركة القائلة انه لولا الخلاء لما تحرك متحرك وانما تتحرك الأجسام في الفضاء الخالي فإنها من المشهورات الذائعات والأذهان تسبق إلى قبولها والقائلون بها يردون على من أبطل الخلاء بما يرى من تعاقب الماء والهواء وسائر ما قيل بأن يقولوا ان الماء والهواء انما يتعاقبان على مكان قدر حجمه بقدر حجم كل واحد منهما وقد يخلو كله وبعضه وإذا خلا جذب إلى نفسه ويستدلون على ذلك بدليل يناقض دليل السراقات وذلك انهم يقولون انا إذا مصصنا قارورة مصاقويا ثم سددنا رأسها على اثر المص ولم نفتحه حتى نكبها في الماء رأيت الماء ينزرق داخلا فيها صاعدا ولا يخرج منها هواء وذلك لأنه يدخل إلى الموضع الخالي الذي خلأ بما